محمد جواد مغنية

188

في ظلال نهج البلاغة

فمن أطال الأمل سوّف وأساء ، ومن خاف بغتة الأجل أعد له عدته تماما كمن يرى الأفعى تدب اليه ، والنار تقترب من داره وثيابه ( ثم إن الدنيا دار - إلى - لا ينقطع ) . للدهر سهام وسهامه على أنواع ، فمن الكد والتعب إلى الهموم والأحزان ، ومن المرض والفقر إلى فقد قريب أو حبيب ، إلى ما لا نهاية ، تماما كمن يأكل ولا يشبع ، ويشرب ولا يروى . . وما أخطأ للدنيا سهم ، ولا لجرحه التثام ، أما سهم الموت فلا مهرب منه . ( ومن العناء ان المرء يجمع ما لا يأكل ، ويبني ما لا يسكن ) . وتسأل : وأي بأس في هذا ان كل الناس على ذلك قديما وحديثا . وهل تقوم الحياة إلا به « زرعوا فأكلنا ، ونزرع فيأكلون » . . ثم هل يجب على الانسان أن يعيش لنفسه فقط . الجواب : ان الإمام ( ع ) ينكر على من جمع وبنى للوارث فقط ، وما اهتم بآخرته وصالح المجتمع ، ولذا قال : ( ثم يخرج إلى اللَّه تعالى لا مال حمل ولا بناء نقل ) أي ذهب إلى ربه أعزل ، لأنه لم يجعل للَّه نصيبا في عمله ، ولو أنه جعل وفعل لأخذ عمله معه إلى قبره ونشره ، وكان له عند اللَّه حسن الثواب . وقد اشتهر عن الإمام قوله : « اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا - أي مع الأجيال إلى يوم يبعثون - واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا » أي اتق اللَّه في عملك لدنياك . ( ومن غيرها - أي احداث الدنيا - انك ترى المرحوم مغبوطا ) . قد يتمنى المرء منزلة غيره في ماله وجاهه ، ولو اطلع على شيء من عاقبته ومصيره لتألم من أجله وقال : الحمد للَّه الذي عافانا من هذا : « وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن اللَّه يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن منّ اللَّه علينا لخسف بنا - 82 القصص » ( والمغبوط مرحوما ) قد ترى مسكينا فترق له ، وله عند اللَّه المقام المحمود ( وليس ذلك إلا نعيما زلّ ، وبؤسا نزل ) . ذلك إشارة إلى البؤس والنعيم ، والمعنى ان البؤس يحدث كمحك لجواهر الرجال وصمودهم عند الشدائد ، والنعيم ينتقل من يد إلى يد . ( ومن عبرها ان المرء يشرف على أمله فيقطعه حضور أجله ) . كل انسان يحلم ويرغب في الخروج من واقعه إلى الأفضل ، فالفقير يحلم بالغنى ، والغني بالزيادة ،